الشيخ محمد مهدي شمس الدين
184
التاريخ وحركة التقدم البشري ونظرة الإسلام
من ذلك قوله عليه السلام : . . . وأيم الله لتجدن بني أمية لكم أرباب سوء بعدي ، كالناب الضروس ( 1 ) تعذم بفيها ( 2 ) ، وتخبط بيدها ، وتزبن برجلها ( 3 ) وتمنع درها ( 4 ) . لا يزالون بكم حتى لا يتركوا منكم إلا نافعا لهم ، أو غير ضائر بهم . ولا يزال بلاؤهم عنكم حتى لا يكون انتصار أحدكم منهم إلا كانتصار العبد من ربه والصاحب من مستصحبه . ترد عليكم فتنتهم شوهاء مخشية ، وقطعا جاهلية ، ليس فيها منار هدى ولا علم يرى ( 6 ) . وهكذا يعاني الناس من الفتنة بعد انتصارها ألوانا من الشر : 1 - حكم الطغيان الذي يقضي على كل معارضة له بالرأي والمذهب ، وهو لا يقضي عليه بهوادة ولين ، وإنما بالعنف والقسوة . 2 - والإذلال الذي يمحق كرامة الإنسان ويشوه روحه ، فيحوله إلى عبد لا يجرؤ على رفع صوته والتعبير عن رأيه ، وإنما يخضع بالطاعة العمياء الصماء التي لا خيار فيها ولا تنبثق من قناعة وإنما يفرضها الخوف من العذاب . * ومن ذلك قوله عليه السلام : والله لا يزالون حتى لا يدعوا لله محرما إلا استحلوه ، ولا عقدا إلا حلوه ، وحتى لا يبقى بيت مدر ولا وبر ( 7 ) إلا دخله ظلمهم ونبا به سوء رعيهم ( 8 ) ، وحتى يقوم الباكيان ، يبكيان : باك يبكي لدينه وباك يبكي لدنياه ، وحتى تكون نصرة أحدكم من أحدهم كنصرة العبد
--> ( 1 ) الناب : الناقة المسنة ، والضروس : الناقة السيئة الخلق . ( 2 ) عذم الفرس : إذا أكل بجفاء ، أو عض . ( 3 ) تزبن : تضرب برجلها من يقترب منها . ( 4 ) الدر : اللبن . يعني أنها غير ذات فائدة مع كونها مصدرا للتخريب والأضرار . فالفتنة شر كلها ، ولا خير فيها . ( 5 ) شوهاء : قبيحة المنظر ، ومخشية : مخوفة مرعبة . ( 6 ) العلم : الدليل الهادي في متاهات الصحراء . نهج البلاغة ، رقم : 93 . ( 7 ) يبت المدر : ما بني بالحجارة ، وبيت الوبر : الخيمة . يعني أن شر الفتنة لا يقتصر على سكان المدن وإنما يشمل الريف والبدو . ( 8 ) نبا به سوء رعيهم : شرد الناس ، وأقلق حياتهم من ( نبا به المنزل ) : إذا لم توافقه .